بقلم : خالد قطاطشه
لم نعد نفتح النافذة لنرى الشارع، أصبحنا نفتح الهاتف لنرى العالم. في لحظة واحدة، نعرف ما يجري في الطفيلة وما يجري في طوكيو. هكذا دخلت مواقع التواصل حياتنا، لم تستأذن، بل اقتحمتها وغيرت ملامحها إلى الأبد.
أتذكر عندما كانت المعلومة رحلة، واليوم المعلومة بلمسة. هذا هو الوجه المشرق. طالب في جنوب الأردن يحضر محاضرة من جامعة هارفارد، ومعلم في مكان ما ينشر فكرة تصل إلى آلاف العقول، وتاجر صغير يعرض بضاعته في مستودع ويبيع في عمان والعقبة ، قربت البعيد، وجعلت الصوت الضعيف مسموعاً، وحولت كل واحد منا إلى صحفي ومصور وناشر.
لكن لكل ضوء ظل وفي ظل هذا الضوء الساطع، بدأنا نفقد شيئاً ثميناً.
كم من أسرة تجلس في غرفة واحدة وكل فرد منها في عالم منفصل؟ نضحك مع غرباء في التعليقات ونعجز عن الضحك مع من يجلس بجانبنا. الإدمان صار مرض العصر، ساعات تسرق من النوم والعمل والصلاة، نتصفح بلا هدف ونخرج مرهقين. والأسوأ من ذلك، تلك المقارنة القاتلة، نرى حياة الآخرين مزينة ومفلترة، فنظن أن حياتنا ناقصة، فيتسلل القلق والاكتئاب إلى قلوبنا من باب الشاشة.
كما أن الحقيقة نفسها أصبحت ضحية. شائعة صغيرة تنطلق من حساب وهمي، تدور العالم في دقائق، وتهدم سمعة وتشعل فتنة، قبل أن يصل التكذيب.
مواقع التواصل ليست ملاكاً ولا شيطاناً. هي سكين، إن استخدمها الجراح أنقذ حياة، وإن استخدمها المعتدي قتل. هي مرآة لما في داخلنا.
الحل ليس في إغلاق هواتفنا ورميها، فهذا مستحيل. الحل في أن نكون نحن أسيادها لا عبيدها. أن نخصص لها وقتاً كما نخصص للعمل والراحة، أن نتابع ما ينفعنا لا ما يستنزفنا، وأن نتذكر دائماً أن الحياة الحقيقية ليست على الشاشة، بل في وجوه أمهاتنا وأطفالنا وجيراننا.
فلنجعلها جسراً لا جداراً.









