×
آخر الأخبار

قطاطشه يكتب : كاد المعلم ان يكون رسولا.. رسالة وفاء للمعلم صانع المستقبل

قطاطشه يكتب : كاد المعلم ان يكون رسولا.. رسالة وفاء للمعلم صانع المستقبل
22 الإعلامي   -

بقلم : خالد قطاطشه

هناك وظائف تنتهي بانتهاء الدوام، وهناك رسالة لا تنتهي بانطفاء الضوء في الصف.

المعلم ليس موظفاً. المعلم هو العنصر الرئيسي الفاعل في معادلة التعليم، هو المعادلة كلها ، تستطيع أن تبني أجمل المدارس، وأن تضع أحدث المناهج، وأن توفر أغلى الأجهزة اللوحية، لكن بدون ذلك الرجل الواقف أمام التلاميذ ، كل ذلك يبقى حبراً على ورق، ومكان بلا روح ، وتبقى المعادلة معتلة ومختلة .

قف للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا.

لم يقلها أحمد شوقي مجاملة ، قالها لأنه أدرك حقيقة الأشياء. فمن غير المعلم يحمل رسالة الأنبياء؟ من غيره يحمل الكلمة أمانة، والحرف مسؤولية، والفكرة وطناً؟

أتذكر معلمي الأول ولا أتذكر ماذا كان يلبس، لكنني أتذكر كيف علمنا كيف نمسك القلم ، كيف صبر على ارتعاش أيدينا، ذلك الصبر هو ما صنع مستقبلنا ،  هو ما جعلني اليوم قادراً على كتابة هذه السطور.

في مدارس الطفيلة، وفي قراها  في العيص زعيمة وبصيرا والقادسية، هناك معلمون يقطعون عشرات الكيلومترات كل صباح يسابق ن الوقت والزمن، ليصلوا إلى صف فيه بضع طلاب. لا يراهم أحد، ولا تصورهم الكاميرات، لكنهم يصنعون هناك حفنة أحلام، ويرسمون  مستقبلاً وغداً مشرقاً، هؤلاء الطلبة هم أوطان صغيرة .

المعلم اليوم يحارب في جبهتين. جبهة داخلية داخل الصف، ليزرع قيمة في زمن السرعة، ومعلومة في زمن السطحية، وأخلاقاً في زمن الماديات ، وجبهة خارجية، جبهة الحياة وضغوطها ومتطلباتها التي أثقلت كاهله، وهو ما يزال يقف شامخاً يؤدي رسالته.

لقد تغير كل شيء من حولنا،  أصبح الطالب يملك في هاتفه موسوعة أكبر من مكتبة المدرسة، وأصبح الذكاء الاصطناعي يكتب له واجبه في ثوانٍ. فما دور المعلم إذن؟

هنا تكمن عظمة الرسالة. دور المعلم لم يعد تلقين معلومة، بل أصبح صناعة إنسان ،أن يعلم  كيف يفكر الطالب ، لا ماذا يفكر ،  أن يعلمه كيف يسأل ، كيف بصغي، كيف يميز بين الحقيقة والزيف ، بين المعلومة والشائعة ،  أن يكون له بوصلة أخلاقية في عالم فقد جزء منه بوصلته.

المعلم هو الذي يعلمك أن ١+١=٢، لكنه أيضاً هو الذي يعلمك أن الوطن لا يقبل القسمة إلا على أبنائه، وأن الكرامة لا تخضع لعمليات الجمع والطرح.

اليوم  ونحن نحتفل بيوم المعلم ، لا نريد كلمات منمقة ولا احتفالات بروتوكولية. المعلم لا يريد قصيدة تُلقى على مسامعه ثم تُنسى ، المعلم يريد تقديراً حقيقياً، يريد أن يُعاد له اعتباره، أن يكون قدوة لا مادة ونصاب حصص ، أن يكون له من الأمان الوظيفي والاجتماعي ما يجعله يتفرغ لرسالته السامية.

إلى كل معلم في الطفيلة والأردن، إلى من علمني حرفاً، إلى من صبر علينا ونحن صغار ، إلى من لا يزال يقف في الطابور الصباحي بصوته المبحوح ينشد مع طلابه "عاش المليك"..

نقول لكم في يومكم وفي كل يوم شكراً ، شكراً لأنكم لم تستقيلوا من الإنسانية. شكراً لأنكم ما زلتم تؤمنون أن في كل طفل مشاغب، مشروع عالم، وفي كل طفلة خجولة، مشروع طبيبة.

أنتم صانعو المستقبل، وأنتم المستقبل نفسه.

كل عام وأنتم بخير، وكل عام وأنتم رسل النور.