بقلم: هنادي يوسف خضر
حين قال أمير الشعراء: "كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا"، لم تكن تلك مبالغة شعريّة، بل كانت تشخيصًا دقيقًا لرسالةٍ ينوء بحملها الكثيرون، ويستوي في محرابها القليل. والدكتور صايل كان – ولا يزال – ذاك المعلم الأب الذي لم يفرّغ العلم في العقول كقوالب صماء بل صبه في الأرواح إيمانًا، وفكرًا، وأخلاقًا؛ لم يكن يرى في التلميذ مجرد مقعدٍ في مدرّج، بل إنسانًا يُبنى، وأملًا يُصنع. كان أبًا روحيًا بكل ما تعنيه الكلمة من دِفءٍ واحتواء، يقرأ في عيون أبنائه التعب قبل أن ينطقوا، ويزرع فيهم الثقة حين تتسلل الشكوك إلى نفوسهم، مؤمنًا بأن صناعة الأجيال تتم بالقيم والأخلاق أولًا.
تضيق اللغاتُ أحيانًا حين يُطلب منها أن تختزل إنسانًا في سطر، وأن تحصر أثرًا بحجم وطن في ثنايا مقال؛ ثمة قاماتٌ لا تُقرأ في الكتب فحسب، بل تُقرأ في الوجدان، نراهم بقلوبنا قبل أعيننا، لأنهم لم يمروا فوق أرض الأيام مرور الكرام، بل زرعوا في أعماقنا شجرًا من الحب، ونخلاً من الوفاء لا تطاله رياح النسيان. وفي صدارة هؤلاء العظام، يشرق اسم الأستاذ -الدكتور صايل السرحان- النبع الذي لا ينضب، والمنارة التي تتجه إليها الأرواح كلما أثقلتها مسافات الحياة.
ان أردت أن تفتش عن "النشمي الأردني" في أنقى صوره وأجمل جينات أصالته، ستجد الدكتور صايل عنوانًا عريضًا لهذه الهوية العريقة؛ رجلٌ تجتمعت فيه شهامة أهل الجبل، وكرم أهل البادية، وطهر أرض الأردن العظيمة
كرمه لم يكن في علمه ووقته فحسب، بل في طلاقة وجهه ورحابة صدره وسخاء نصيحته وشهامته موقفٌ ثابتٌ ونخوةٌ لا تنتظر طلباً، يزرع محبة الوطن والتكاتف الأخوي في نفوسنا غرسًا متينًا لا تزعزعه الأيام لنتعلم منه
(أن حب الأردن ليس شعارًا يُرفع، بل عملٌ مخلص، ووفاءٌ متجدد، ويدٌ واحدة تُبنى بها الأوطان)
ومن سحر العطاء عند الدكتور صايل السرحان أن الأبوّة عنده لا تُسقطها الأوراق ولا تُنهيها مراسيم التخرج
ففي الوقت الذي تنقطع فيه الأسباب بمغادرة أسوار الجامعة، ظلّ بابه مشرعًا، وظلّت يده ممتدة بالدعم والتشجيع.-حتى عبر أثير "النت" ووسائل التواصل الحديثة، لم يُغلق نافذةً في وجه سائل، ولم يتأخر يومًا عن شدّ أزر خريج أو نصح قاصد، بل كان حاضراً يتابع، ويستفسر، ويحفز، ليكون القدوة التي نستمد منها القوة، والمشجع الأول الذي يؤمن بقدراتنا في كل محطة من محطات السعي.
إن الحديث عن قامة استثنائية كالدكتور صايل السرحان هو حديث عن العطاء الممتد، عن ذاك الذي- علّمنا كيف يحب الإنسان وطنه بصدق-وكيف يقف مع أخيه بإنصاف، وكيف يظل معطاءً مهما تبدلت الأيام. فإلى أبسق قامات العلم، وأصدق قلوب النخوة.. دمت لنا يا دكتور صايل سندًا وأبًا، ودام عطاؤك نهرًا يروي الأجيال، ودمت للأردن نشميًا يُقتدى به، ورمزًا حقيقيًا لمن يحملون رسالة العلم والإنسانية بأمانة الشرفاء.






