بقلم: محمد الحسني
في الملاعب الصغيرة التي تعج بشغف الواعدين، وفي ردهات المدارس التي يتردد فيها صدى الإصرار، تتشكل ملامح جيل جديد يرى في الرياضة لغة حية يترجم من خلالها طموحاته الكبيرة. ولم يعد ركض هؤلاء الفتية مجرد سعي خلف كرة تتقاذفها الأرجل، بل غدا بحثاً واثقاً عن الذات، وتجسيداً لقيم الانتماء والمشاركة الحية التي تنتشلهم من عزلة الشاشات الرقمية إلى وهج الميادين؛ حيث يزداد العطاء اتقاداً كلما رفرف العلم الأردني في الأفق، معلناً عن ولادة أبطال يحملون راية الوطن.
إن هذا التحول الوجداني في نظرة أبنائنا يستمد إلهامه مباشرة من الملاحم الوطنية التي سطرها "النشامى"؛ فذلك الشغف الذي كبر في عيون الصغار وهم يتابعون مسيرة المنتخب الوطني، بدءاً من وصافة آسيا وكأس العرب، وصولاً إلى الإنجاز التاريخي الأغلى بالتأهل إلى نهائيات كأس العالم(2026) المقامة في الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، والمكسيك والتي تفصلنا عن انطلاق منافساتها أيام معدودة، قد رسخ في نفوسهم اليقين بأن المستحيل ليس أردنياً. ومع هذا الاستحقاق العالمي المرتقب، لم يعد الطفل يحلم بمجرد اللعب، بل بات يطمح لارتداء قميص المنتخب بكل هيبة وفخر، ليكون جندياً يرفع اسم الأردن عالياً في المحافل الدولية.
لقد غدت الرياضة اليوم مساحة سحرية لتذويب الفوارق وتوحيد القلوب تحت راية الروح الرياضية، والمدارس الحقيقية التي يتعلم فيها أبناؤنا كيف تكون الخسارة دافعاً للنهوض، تماماً كما فعل أبطالنا حين حولوا التحديات إلى منصات للتتويج. إنهم لا يزجون بالوقت في غياهب النسيان، بل يبنون هويتهم وصقل شخصياتهم، مستلهمين الروح القتالية من نجومهم الذين يستعدون اليوم لتمثيل المملكة في أكبر محفل كروي على وجه الأرض.
تضعنا هذه القفزة الرياضية التاريخية أمام مسؤولية وطنية مشتركة؛ تحتم علينا استثمار هذا الشغف ومواكبة تطلعات جيل المستقبل، عبر تقديم دعم مؤسسي مستدام وممنهج من الاتحاد لجميع مراكز الواعدين والأندية. إن الاستثمار في الرياضة اليوم هو استثمار في بناء جيل صلب ومخلص، قادر على تحويل التحديات إلى إنجازات، لتبقى الرياضة دائماً النافذة التي يطل منها أبناء الأردن على عالم يملؤه الفخر، وتزينه الانتصارات، ويحرسه إصرار النشامى الذي لا يلين.






