بقلم : الدكتورة فريال حجازي العساف
تتلاقى الهوية الوطنية الأردنية وسرديتـُها التاريخية العميقة لترسم معاً لوحة شموخ تتجدد ملامحها في ذكرى عيد الجلوس الملكي؛ المناسبة التي لا تُعد مناسبة وطنية نحتفل بها بل هي محطة لتجديد البيعة والوفاء للقيادة الهاشمية ووقفة اعتزاز تُترجم كيف انصهرت الهوية الجمعية لأبناء الأردن، بمختلف منابتهم وأصولهم، مع الرؤية الهاشمية الفذة لبناء دولة القانون والمؤسسات. وفي هذه الذكرى، تتجلى السردية الأردنية كشاهد حي على مسيرة التحديث ومواجهة التحديات بالوعي والوحدة الوطنية، ليعيد الأردنيون من خلالها تأكيد ولائهم لعرش القيادة الهاشمية، مجددين العهد على صون مكتسبات الوطن، والمضي قدماً بهوية أردنية حداثية تسير نحو المستقبل بخطى ثابتة وقيم أصيلة لا تنحني.
في التاسع من حزيران من كل عام ترتدي المملكة الأردنية الهاشمية أبهى حُلل الفخر والاعتزاز، وتنبض قلوب الأردنيين بصدق الانتماء والولاء، وهم يحتفون بـالذكرى السابعة والعشرين لعيد الجلوس الملكي الميمون لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين مناسبة وطنية متجددة تتجلى فيها أسمى معاني التلاحم الوجداني بين الشعب والقيادة الهاشمية الحكيمة، في هذا اليوم الأغر يستذكر الأردنيون سبعة وعشرين عاماً من البناء والتحديث والانجاز والريادة، ليجدد أبناء وبنات الوطن عهد الوفاء و البيعة للقائد المعزز، ليبقى الأردن منارة للعز والمجد والرفعة وتأتي هذه المناسبة الوطنية الغالية متزامنة مع احتفالات المملكة بعيد الجيش وذكرى الثورة العربية الكبرى لتشكل لوحة وطنية تعكس التفاف الشعب حول الراية الهاشمية في واحة من الأمن والاستقرار وسط محيط يعج بالتحديات
شكّلت التوجيهات الملكية السامية والمتكررة الركيزة الأساسية لترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وتجذير مبادئ العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية التي قامت عليها الدولة الأردنية منذ تأسيسها . حيث حرص جلالة الملك، ومنذ توليه سلطاته الدستورية، على إطلاق الأوراق النقاشية الملكية التي رسمت خارطة طريق واضحة لمسيرة التحديث والتقدم وتحويل الصعاب الى فرص تبنى عليها معالم الابتكار والريادة والتقدم ، هذه الرؤية الملكية الثابتة جعلت من سيادة القانون المظلة التي تحمي حقوق المواطنين وتعزز الشفافية والمساءلة، لتظل مؤسسات الدولة الأردنية النموذج الأبهى في الكفاءة، والنزاهة، والحوكمة الرشيدة. فقد عملت التوجيهات الملكية السامية على ترسيخ وتجديز مأسسة منظومة حقوق الانسان الوطنية على صعيد التشريعات و السياسات الممارسات ، حيث تميز عهد جلالته بالانتقال التنفيدي الصارم والملتزم بكل التوصيات والتقارير الحقوقية؛ الوطنية منها والدولية. ويتجسد هذا الدور في المتابعة الملكية الحثيثة لتقارير المركز الوطني لحقوق الإنسان والمؤسسات الرقابية الأخرى كهيئة النزاهة ومكافحة الفساد والمجلس القضائي وديوان المحاسبة حيث يوجّه جلالته الحكومات المتعاقبة بشكل دوري ومباشر لدراسة هذه التوصيات وتطوير آليات إنفاذها على أرض الواقع عبر تعديل القوانين والتشريعات الناظمة للحريات العامة.
وامتداداً لهذا التوجيه حظيت مخرجات الخطة الوطنية الشاملة لحقوق الإنسان باهتمام ملكي مستمر والالتزام باعداد الخطط التنفيذية المبنية على مؤشرات قياس لتعزيز وحماية حقوق الانسان ضمن ثلاث مسارات أساسية: مراجعة وموائمة التشريعات الوطنية مع أحكام الدستور الأردني والاتفاقيات الدولية لحقوق الانسان ، ومراجعة السياسات والخطط والبرامج التنفيذية واعدادها وفق نهج حقوقي و ترسيخ مبادئ حقوق الانسان في المملكة وتحفظ الحقوق والواجبات على صعيدي الفكر والممارسة ويواصل الأردن بثبات مأسسة ملف حقوق الانسان من خلال تكامل منظومة الأدوار الوطنية بين مؤسسات الدولة المختلفة وتجلى ذلك فيما يتم العمل على اعداده في الخطة العشرية الثانية لحقوق الانسان وإنفاذ توصيات الآلية الدولية للاستعراض الدوري الشامل (UPR)" تحولت بموجبها تلك التوصيات إلى برامج عمل مؤسسية ومؤشرات أداء واضحة تقيس مدى تقدم الدولة في صون كرامة المواطن وتحفظ حقوقه .
وتترجم الإرادة السياسية العليا لجلالة الملك في تعزيز وحماية حقوق الانسان عبر الأدوار المتكاملة إلى برامج عمل حقيقية عبر الدور المحوري الذي تضطلع به الحكومة والأجهزة التنفيذية، والتي باتت ملزمة بموجب التوجيهات الملكية المباشرة بتحويل التوصيات الحقوقية إلى سياسات وممارسات يومية..
وتتجسد الرؤية الإنسانية لجلالة الملك عبد الله الثاني في دعمه اللامحدود للشباب، والمرأة، والأشخاص ذوي الإعاقة، باعتبارهم الركيزة الأساسية لنهضة الأردن وعماد مسيرة التحديث الشامل ولم تكن الرعاية الملكية لهذه الفئات يوماً مجرد برامج رعاية عابرة، بل تُرجمت بتوجيهات سامية إلى حزمة من الإصلاحات التشريعية والمؤسسية التي ضمنت تمكين المرأة كشريك قيادي في صنع القرار السياسي والاقتصادي وفتحت الآفاق أمام الشباب كـ "فرسان للتغيير" عبر تخفيض سن الترشح وتوسيع مشاركتهم الحزبية والريادية وبالتوازي مع ذلك، قاد جلالته جهوداً وطنية لحماية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، أثمرت عن صياغة منظومة قانونية عصرية تضمن دمجهم الكامل، وتكافؤ الفرص، وتفكيك كافة العوائق البيئية والاجتماعية أمامهم.
وتكتمل المناسبات الوطنية الغالية حيث يتزامن عيد الجلوس الملكي مع احتفالات المملكة بـيوم الجيش العربي المصطفوي وذكرى الثورة العربية الكبرى مناسبات وطنية وتاريخية مهيبة يستذكر فيها الأردنيون بملء قلوبهم رصاصة النهضة الأولى التي أطلقها شريف مكة الحسين بن علي عام 1916 من أجل حرية الأمة وكرامتها، والتي صاغت الهوية القومية لجيشنا الباسل، ليبقى "الجيش العربي المصطفوي حاملاً لرسالة الثورة ومبادئها السامية في العدالة والحرية. وفي هذا اليوم، يلتف أبناء الوطن وفاءً لشهداء الوطن الأبرار الذين صانوا العهد والوفاء بدمائهم الزكية لتبقى راية الأردن خفاقة، لنجدد العهد يدا بيد بأن يظل هذا الجيش الأبي المصطفوي تحت ظل حضرة صاحب الجلالة الهاشمية ، الدرع الحصين لحماية الحدود و المنجزات الوطنية، والسند الراسخ لقضايا أمته العربية والإسلامية، وعنواناً عريضاً لسيادة الأردن ومنعته واستقراره. و إن الأردن وهو يحتفل بهذه المناسبات الوطنية ، يثبت للعالم أجمع أن السردية الأردنية ليست مجرد استذكار للماضي، بل هي خطة عمل للمستقبل؛ تُكتب بعرق الأردنيين وتُحمى ببسالة جيشهم، ليبقى هذا الحمى العربي الهاشمي نموذجاً ملهماً في القوة، والكرامة، والنهوض المستمر.
العساف تكتب : في عيد الجلوس الملكي قصة وطن وعزيمة قائد
الإثنين - pm 09:33 | 2026-06-08
22 الإعلامي -






